هيثم الحويني - Haitham Alheweny
⸻
خطبة الحاجة ومقدمة الموضوع
قال الشيخ أبو إسحاق الحويني رحمه الله:
«إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وأصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فأجدني مضطرًا ما بين الفينة والأخرى إلى أن أترك ما أنا فيه من الكلام، ردًّا على بعض الأقوال التي تُنسب إلى هذا الدين.
كل كلام خطأ يُنسب إلى الشريعة سببه واحد من اثنين: إما زلة عالم، وإما قول جاهل.
وأقصى منية الجاهل أن يجد زلة لعالم؛ حتى إذا أنكرنا عليه وقلنا: قولك خطأ، قال: قال به فلان! ويجعل هذا العالم المخطئ تُرسًا من ورائه.
فإذا تبنى قولًا لرجل جليل فاضل لا نشك في فضله ولا في علمه، وقلنا مثلًا: أخطأ الشافعي في كذا، يقول: الشافعي! ويثير الجماهير…
وهناك قضيتان كبيرتان، أشرت إلى واحدة منهما ولم أفصل الكلام فيها، وهي ما يتعلق بإمامة المرأة للمصلين في الجمعة؛ فقد أنكرتها إنكارًا مختصرًا، وطُلب مني أن أبيّن بالدليل القاطع أن هذا القول خطأ.
والقضية الأخرى: رضاع الكبير، وما يثيره النصارى على صفحات الجرائد…
ولا أستطيع أن أتكلم عن المسألتين مرة واحدة في هذه الخطبة.
وقبل أن نتكلم في هذه المسألة، أريد أن أؤسس للرد.
هناك ثلاثة أصول قبل الكلام في هذه المسألة، وهذه الأصول الثلاثة قبل أي حوار في مسألة.»
⸻
«الأصل الأول: أن المعصوم الوحيد الذي لا يُرد عليه أبدًا، ولا يقال له على جهة الاعتراض، هو النبي ﷺ، وأن الله عز وجل أوجب طاعته في المنشط والمكره.
قال تعالى:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وقال عز وجل:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
وحذر المخالفين له فقال تبارك وتعالى:
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقديماً أراد رجل أن يُحرم من مسجد النبي ﷺ، ولا يُحرم من ميقات أهل المدينة في ذي الحليفة، فذهب إلى مالك رحمه الله يستأذنه ويستشيره.
فقال له: لا تفعل، فإني أخاف عليك الفتنة.
فاستغرب الرجل وقال: أي فتنة يا أبا عبد الله؟ بضع خطوات أزيدها أفتتن بها؟
قال: وأي فتنة أعظم من أن تظن أنك سبقت إلى شيء لم يفعله رسول الله ﷺ؟!
فهو وحده المعصوم الذي يؤخذ قوله.
ولو أحببنا أن نتكلم في هذا الأمر سنتكلم كثيرًا وكثيرًا جدًا، وهو أصل مقرر متفق عليه عند أهل السنة والجماعة جميعًا: أن النبي ﷺ معصوم، وأن قوله ماضٍ، ويجب الأخذ به.»
⸻
«الأصل الثاني: أنه ليس معنى أن فلانًا من الناس عالم فاضل جليل، مجتهد مطلق، أن زلة العالم تُقر.
فمن الناس من يقلد العالم أو يتبعه، فيجعل رأيه دينًا فلا يتركه أبدًا.
وقديماً قيل:
إذا زلَّ العالم زلَّ بزلته عالَم.
لأنك تعتقد أن العالم بذل الجهد في الوصول إلى الحق، وهو كذلك، فيستقر في صدرك أنه أصاب.
ونحن نطيع العلماء ما أطاعوا الله ورسوله، ومع ذلك لا نتبعهم فيما أخطؤوا فيه.
وكثيرًا ما رد الشافعي على أبي حنيفة، ورد على أبي يوسف، وعلى محمد بن الحسن، بل ورد الشافعي على مالك.
والشيخ الألباني رحمه الله، وهو من الجلالة في المكان العالي، هذا الشيخ المبارك صنع في هذا الجيل ما لم تصنعه كتيبة من العلماء.
ومع ذلك، ونحن لا نساوي قلامة ظفر هذا الشيخ المبارك، هناك مسائل لا نوافقه عليها.
ومع ذلك لم يتغير عليَّ، أو يقل لي إنني قليل الأدب؛ لأنه هو الذي علمنا أن نرفض التقليد وأن نبحث عن الدليل.
فإذا رددنا على عالم فاضل جليل، فليس معنى ذلك أننا ننتقصه.»
⸻
«الأصل الثالث: ليس كل كلام موجود في الكتب يكون حقًّا.
فقد وُجد كلام باطل، بل هو من أبطل الباطل.
وفي هذه الأمة من يقول أقوالًا باطلة.
غلاة المرجئة مثلًا لهم أقوال في حقيقة الإيمان والإسلام، وصُنِّف في ذلك.
فهل كلما وجدنا قولًا في كتاب قلنا به؟
بل في أهل السنة والجماعة ناس قالوا أقوالًا باطلة.
فكلما وجدنا قولًا في كتاب نقول به؟!
هذه لا بد أن نراعيها ونحن نتكلم في مسألة الردود.»
⸻
«ثم أقول: إن الرد من حق المسلمين؛ لأنه من جملة النصيحة لله، ولرسوله، ولكتابه، وللمؤمنين.
وهذا الرد من حقنا دفاعًا عن ديننا.
يريدون أن يردوا حتى ما جاء مجيء الإجماع الثابت المتواتر، الذي هو كالقرآن، وهو أنه لا يجوز لامرأة أن تخطب الجمعة بالرجال.
هذا الحكم وصل إلينا في أعلى درجات التواتر.
لا تستطيع أن تجد واقعة واحدة من رسول الله ﷺ إلى زماننا هذا أن المرأة تؤم المصلين في الجمعة.
إجماع كالشمس في رابعة النهار، ومع ذلك فهم يطمعون في كل ثابت.
إن أقصى منية الجاهل أن يقع على زلة في عالم.
كلما رد عليها العالم، وكثير من العوام عندهم تعظيم لأهل العلم، فلن يتحملوا هذا الرد.
قضية إمامة المرأة، والله ما أدري كيف أبدأ ولا كيف أصورها من الهول الذي وقفت عليه.
وفي ناس من أهل العلم المعاصرين تورطوا؛ علشان ينصر عمل المرأة قال إن الحديث المانع من ولاية المرأة، حديث أبي بكرة الثقفي، بمعنى أن الحديث موضوع؛ لأجل أن يصل إلى ما يريد.
وقد حاول كثيرون أن يفعلوا فعله، وذهبوا إلى مزبلة التاريخ، وبقيت السنة شامخة؛ لأن هذا دين الله تبارك وتعالى، وهو تكفل بحفظه.»
⸻
المعصوم هو رسول الله ﷺ وحده.
والعالم، مهما بلغ علمه وفضله، قد يصيب وقد يخطئ؛ فنحفظ قدره، ولا نتبعه في زلته.
وليس كل قول وجدناه في كتاب، أو نُسب إلى عالم، يكون حقًّا لمجرد ذلك؛ وإنما الميزان هو الدليل.
والرد على الخطأ لا يعني الطعن في العلماء، بل قد يكون من النصيحة لله ولرسوله ولدينه وللمسلمين، بشرط أن يكون بعلم وإنصاف وأدب.
فلا نقدّس الأشخاص، ولا نسقط العلماء بسبب زلة، ولا نرد سنة النبي ﷺ بسبب استشكال أو هوى.
الحق يُعرف بالدليل، والعلماء يُحفظ لهم قدرهم، والسنة تبقى شامخة بإذن الله.
رحم الله الشيخ أبا إسحاق الحويني رحمة واسعة، وغفر له، ورفع درجته، ونفع بعلمه، وجعل ما ترك من علم ودعوة إلى السنة في ميزان حسناته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق