هيثم الحويني - Haitham Alheweny
يروي الشيخ أبو إسحاق الحويني رحمه الله جانبًا من ذكرياته مع الاعتقال، وكيف تحولت أيام السجن -على قسوتها- إلى فرصة للعلم والعبادة وحفظ القرآن، حتى بدأت حلقات الحديث وأصول الفقه داخل الزنازين بعد أيام قليلة من دخوله.
يروي الشيخ رحمه الله
لا شك كما ذكرت أن الأجهزة الأمنية لاحظت نوعًا من النشاط غير المعتاد في البلد، ولكن تأخرت دعوتهم لي ولله الحمد. ظللت في حدود سنتين أتحرك في البلد، وكانت القبضة الأمنية آنذاك لم تكن بالصورة التي أصبحت عليها بعد ذلك، لعدم وجود المسوّغ؛ كانت الدنيا هادئة إلى حد ما.
أرسلوا لي أربع أو خمس مرات أن أزورهم في الجهاز في كفر الشيخ، فلم أكن أذهب. لم أتعود طوال حياتي، كطالب علم في المكتبة، أن يكون لي اتصال بأحد، وكان غريبًا عليّ أن أُدعى إلى تحقيق.
لكن بصراحة رأيت الشباب الموجودين في البلد لديهم نوع من الجرأة، ويبدو أنهم كانوا يذهبون للأمن كثيرًا، فلما استشرتهم بأنهم أرسلوا لي، قالوا لي:
«كبّر دماغك، لا تذهب، نحن نعرفهم يريدون التعرف عليك، لا تذهب. وإذا كلمك أحد قل له: من يريدني يأتِ إليّ».
لم أكن أفهم حينها ماذا تعني «تعال لي»، وإنما قيلت لحرمة العلم ومكانته، ولم أكن أعرف ماذا سيفعلون إن جاؤوا!
حتى فوجئت بأنهم اقتحموا شقتي. الإخوان كانوا قد عملوا بعض الملصقات الدعوية عن حجاب المرأة المسلمة: «الحجاب نقاء وطهارة وعفة»، وملأوا بها البلد.
فالأمن اتخذ هذه حجة للقبض عليّ أنا وبعض إخواني. لم يكن لي علاقة بالملصقات، ولكن لأنني كنت لا أستجيب لاستدعاءاتهم، كانت التهمة جاهزة لكوني المحرض.
وفي ليلة القبض عليّ، ركنت سيارتي في الجراج أسفل البيت متأخرًا، وحين جاؤوا طرقوا باب صاحب البيت ليفتح لهم الجراج، فلما وضعوا أيديهم على «كبوت» السيارة وجدوه ساخنًا، فعرفوا أنني في الشقة.
طرقوا الباب بطريقة تدل على أنهم ليسوا أشخاصًا عاديين، فلم أفتح. الحقيقة كسروا الباب، وكانوا مؤدبين نوعًا ما، أحضروا بنت الجيران لتطرق على باب غرفة النوم.
خرجت لهم، فقالوا:
«هات ملابسك وتعال، لن تتأخر، مجرد تحقيق».
ورحلونا بأمر اعتقال إلى سجن الاستقبال. وكان ذلك سنة 1989، بينما اعتقالي الأول كان سنة 1982.
وحين دخلنا، كان السجن يضم الكثير من شباب الجماعة الإسلامية في عين شمس على إثر الأحداث هناك، وكان أغلبهم تلامذتي؛ حيث كنت أخطب وأدرّس في مسجد ابن شهاب الزهري بعين شمس الشرقية لمدة ثلاث أو أربع سنوات.
أول ما دخلت، علت الهتافات باسمي من كل جنبات الزنازين، فشعرت بشيء من الأنس.
وبعد عشرة أيام فقط… بدأت حلقات العلم
بعد حوالي عشرة أيام فقط، بدأت الحلقات العلمية في السجن!
كنت أشرح علم الحديث، وأصول الفقه، وقضايا فقهية، وكان ذلك مسموحًا به في الاعتقال الإداري حيث لا توجد قضية فعلية.
كانت الزنزانة تمتلئ بالشباب في وقت «الفسحة»، وكانوا يستمعون للدروس والمحاضرات.
قضينا 69 يومًا في السجن، وحين خرجنا بكى علينا رواد السجن، وكنا نواسيهم، حتى إنني أحسست بالأسى لمفارقة هذا المجتمع الصافي.
فالسجن كان يتيح لنا وقتًا حقيقيًا، الـ24 ساعة فيه لها بركة وقيمة، بخلاف أيامنا هذه التي يضيع أغلبها.
حفظ 14 جزءًا من القرآن في الاعتقال الأول
وفي اعتقالي الأول سنة 1982، حفظت 14 جزءًا من القرآن في أربعة أشهر وعشرة أيام!
أذكر أنني حفظت سورة آل عمران في يوم، والمائدة في يوم، والأعراف في يوم، والأنعام في يوم؛ أقرأ من الفجر حتى الثانية عشرة ليلًا، ثم أقوم بها في الصلاة حتى الصباح.
كانت الأوقات مباركة، وكنا عشرة في الزنزانة، كل واحد يصلي على مرتبته بصوت خافت ليراجع ورده وحفظه.
وكان معي شاب صغير، عمره 16 سنة، اسمه «الإجابة»، شقيقان قبض عليهما بالخطأ عند ذهابهما للسينما، تركته في السجن وقد حفظ أربعة أجزاء ونصف من القرآن.
وفي تلك الفترة التقينا بالشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله، حيث كان معتقلًا معنا ضمن 1536 من رموز مصر.
«أنت لست داعية ولن تكون!»
أما الاعتقال الثاني، فقد خرجنا أيام الوزير زكي بدر. وحين عدت، حاول ضابط أمن الدولة تلطيف الأجواء، لكن المفتش هاجمني وقال لي بحدة:
«أنت لست داعية ولن تكون!»
فقلت له:
«الله أعلم، هذا في علم الغيب».
المرة التي ضاعت فيها كتبه وحواشي عمره
ثم كانت المرة الثالثة التي اعتقلوني فيها، وهي المرة التي بهدلوا فيها مكتبتي!
في المرات السابقة لم يمسوا كتبي، لكن هذه المرة أخذوا كتبًا كثيرة، كفتاوى ابن تيمية وغيرها.
حزنت جدًا؛ لأنني أنفقت كل ما أملك لحيازتها.
ذهبت للأمن أطالب بكتبي، فقالوا:
«تعال يوم كذا وسنعطيها لك».
ذهبت، فأنزلوا حقيبتي ووضعوها في سيارتي. شكرتهم بحرارة، لكن حين عدت للبيت وفتحت الحقيبة، وجدت كتب «سلاح التلميذ» وكتب «إمساك الدفاتر» لكلية التجارة!
ندمت وحزنت أنني طلبت الكتب أصلًا.
وتذكرت قصة عبد الله بن عمر حين سرقت ناقته، فرفض الذهاب لاستردادها وقال:
«قلت هي في سبيل الله».
وتعلمت درسًا قاسيًا؛ فقد كنت أنا السبب في زيادة أخذهم للكتب حين قلت لهم يوم التفتيش معترضًا:
«سأحضر ورقة وقلمًا لأكتب أسماء الكتب التي تأخذونها».
فاستفزهم ذلك وأخذوا كتبًا أكثر.
ولم تكن الخسارة في القيمة المادية للكتب، بل في التعليقات والحواشي الثمينة التي كنت أكتبها بخط يدي على هوامشها طوال سنوات عمري؛ فهي صيد للخاطر لا يُعوض.
ختام
ما أبلغ هذا الدرس: قد يُغلق على الإنسان باب من أبواب الدنيا، فيفتح الله له أبوابًا أخرى من العلم والعبادة والقرآن.
69 يومًا في السجن تحولت إلى دروس في الحديث والفقه، وأشهر من الاعتقال تحولت إلى حفظ أربعة عشر جزءًا من كتاب الله.
رحم الله الشيخ أبا إسحاق الحويني، فقد كان طالبَ علمٍ في الرخاء والشدة، وجعل من أوقاته رأس مال لا يضيعه، حتى في أشد الظروف.
