هل تجب عدة الوفاة على المرأة العجوز ؟ ***
الجواب : الحمد لله رب العالمين ،والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
قال العلماء رحمهم الله تعالى : عدة الوفاة أمر تعبدي أوجبه الله تعالى على المرأة ،فهو فريضة على كل زوجة مات عنها زوجها عجوزًا كانت أم غير عجوز ،مدخولًا بها أو غير مدخول بها ،وسواء كانت تحيض أو لا تحيض ،لقول الله تعالى: " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا " البقرة 234 . فالآية الكريمة عامة في كل زوجة مات عنها زوجها ولو كانت تبلغ من العمر مائة سنة ، لقوله تعالى : [وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا] أي زوجات ،فيجب على كل زوجة مات عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر قمرية وعشرة أيام ،إلّا إذا كانت حاملًا فتعتد بوضع الحمل على الراجح من أقوال أهل العلم ،لقوله تعالى : "وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ" (الطلاق: 4)، وفي رأي ثانٍ بأنّ عدة الحامل أقصى الأجلين من وضع الحمل ؛والمقصود بأبعد الأجلين أنّها إذا وضعت حملها قبل مضي أربعة أشهر وعشرة أيام ،تبقى معتدة حتى انقضائها ،أما إذا مضت أربعة أشهر وعشرة أيام ولم تضع حملها تنتظر حتى وضع الحمل ،وهذا القول مروي عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم ،وهو ما يُطلق عليه الاعتداد بأبعد الأجلين، وبذلك نجمع بين الآيتين.
**ـ ويدل على وجوب العدة قوله تعالى : [يَتَرَبَّصْنَ ] فهذا خبر بمعنى الأمر والأصل في الأمر أنّه يفيد الوجوب . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلّا على زوج أربعة أشهر وعشرًا". متفق عليه ..
**ـ وإذا عقد رجل على امرأة ثم مات قبل الدخول بها ،وجب عليها أن تعتدُّ كالمدخول بها ؛لأنَّها زوجته ،والنَّصُّ العامُّ في الآية يشملُها .
**ـ وعدّة المرأة تبدأ من اليوم الّذي مات فيه زوجها ،لا من اليوم الّذي دُفن فيه ،لأنّ العبرة بالوفاة لا بالدفن ،وهذا باتفاق الفقهاء ،وليس صحيحًا أنّها تختار وقت دخولها في العدة ،فبعض النساء تعتقد أنّ العدة تبدأ من وقت ما تريد هي ،فتؤخر العدة أيامًا أو إلى أشهر حتى تتهيأ لدخولها . فإذا لَمْ تَعْتَدَّ حتى انقضت مدة العدة فهي آثمة ،فَلْتَسْتَغْفِر اللَّهَ وَتَتُوب إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ ؛وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهَا ،لأنّ الْعِدَّةَ لَا تُقْضى .
**ـ وإنّ من المفاهيم المغلوطة عند بعض الناس أنّ الزوجات الكبيرات في السن لا تلزمهنّ عدة الوفاة نظرًا لكبرهنّ ولانقطاع الحيض عنهنّ ،وهذا الفهم الباطل قائم على أنّ الحكمة من عدة الوفاة معرفة براءة الرحم من الحمل ،أي ليتبيّن الحمل وعدمه قبل نكاح المرأة من زوج ثانٍ حتى لا يؤدي ذلك إلى اختلاط الأنساب . فيجب أن يعلم بأنّ العدة فريضة يجب الالتزام بها بغض النظر عما قيل فيها من الحكمة ،وهذا لا ينفي أن يكون أحد مقاصد العدة هو معرفة براءة الرحم من الحمل مع أنّ ثبوت الحمل لا يحتاج إلى أربعة أشهر وعشرة أيام وخاصة في زماننا حيث يمكن معرفة وجود الحمل خلال أسبوعين أو ثلاثة فهل معنى ذلك إلغاء عدة الوفاة ما دام أنّه يمكن معرفة براءة الرحم بالوسائل الطبية الحديثة ؟!! فهذا لا يقوله مسلم .
**ـ والحكمة من العدة على وجه القطع لا يعلمها إلّا الله سبحانه وتعالى وليس لنا إلّا أن نقول :"سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ " (البقرة، 285) ،مع أنّه ليس في الشريعة حكم إلّا وله حكمة وإن لم يعقلها كثير من الناس أو أكثرهم .
والله تعالى أعلم

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق