السبت، 7 نوفمبر 2026

السيد البدوي… الجفري… الغزالي… وأنا!

 ورات

الفلاتر
3 ي 
▪️السيد البدوي… الجفري… الغزالي… وأنا!
…….
تَجَدُدُ الاحتفال بذكرى مولد السيد البدوي سنويا هو ما ذكرني بحواري مع الشيخ علي الجفري وقصة الغزالي.
شاركت بمراسم غسل الكعبة السنوي وتشرفت بدخولها مرتين، مرة مع الأخوة بقنصليتنا في جدة، وثانية بدعوة كريمة من إمارة مكة المكرمة مع نخبة من أكاديميين ومفكرين وإعلاميين ودعاة، التقينا بأمير مكة صاحب السمو الملكي الأمير عبد المجيد بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى، في جلسة حبية وذلك عام 2003م قبل بدء مراسم غسل الكعبة بيوم واحد، وبعد المناسبة توالت دعوات كريمة متعددة لضيوف الإمارة، منها دعوة حامل مفاتيح الكعبة الشيخ عبدالعزيز الشيبي لنا في منزله، ثم دعانا الوجيه كامل جمعة في منطقة الخالدية بمكة المكرمة، وهو صديق زملاء العمل في القنصلية الكويتية، ولما انفض الجمع بقينا أنا والشيخ حمزة يوسف الأمريكي والشيخ علي الجفري وبعض أقرباء المستضيف، وهنا سألني الجفري، لماذا الدعاة يجاملون السلفية فيما يقومون به من مشاكل ولا يتصدون لغلوهم، ثم ذكر عن ما لا أعرفه من تصرفات تجاه بعض الأضرحة في اليمن وغير ذلك؟!
ثم ضرب مثالين على رأيه في المداهنة والمواجهة، الأول بمداهنة الشيخ عبدالمجيد الزنداني رحمه الله وتياره الدعوي للسلفيين في اليمن، والثاني بشجاعة الشيخ محمد الغزالي المتوفى 1996م في نقده المعلن لهم، وقال نريد منك ومن الدعاة مثل هذه المواقف الصريحة في نقد السلفية فالغزالي لم يجاملهم وهو في عقر دارهم!
يقصد يوم كان أستاذا في جامعة أم القرى.
قلت له: إن النقد الموجه الرشيد الذي يأخذ طابع النصح ويراعي آداب النصيحة ومقاصدها مطلوب من الجميع للجميع فـ (الدين النصيحة).
ولكن استشهادك بالشيخ الغزالي ليس في صالحك؟!
قال : كيف؟
قلت: منذ كنت في المرحلة الثانوية وأنا أقرأ كتبه وعرفت سيرته، كان غيورا على دينه مشفقا على أمتة صدّاعاً بالحق آمرا بالمعروف ناهيا عن المناكر الفكرية والأخلاقية والتشريعية والاجتماعية، فهو متوافق مع نفسه في نقده للآخرين لذا نجده انتقد الساسة الكبار وتصدى في موقفه الشهير لتعديلات قانون الأحوال الشخصية، وانتقد الشيوعيين والقوميين والبعثيين والملاحدة وتيارات التغريب وشارع الصحافة والإعلام الفاسد ومناهج الأوقاف والإخوان والسلفية والصوفية، وسجن مرات عدة.
وعندما درست التصوف موضوع رسالتي الماجستير استقرأت نظرات الغزالي النقدية للتصوف والصوفية في كتبه فرأيت الإنصاف والتفصيل فذكر الإيجابيات والسلبيات ولعل من أشهر مواقفه اشتباكه في الثمانينات مع "الهيئة المصرية العامة للكتاب" وانضم إلى مجمع البحوث الإسلامية ونواب في البرلمان في الاعتراض على طبع كتاب الفتوحات المكية لابن عربي لما يحتويه من عقائد مضادة للتوحيد وقال غاضبا في كتابه "تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل":
«لقد اطلعت على مقتطفات من الفتوحات المكية لابن عربي فقلت: كان ينبغي أن تسمى الفتوحات الرومية! فإن الفاتيكان لا يطمع أن يدسَّ بيننا أكثر شراً من هذا اللغو».
▪️الغزالي والقبور والأضرحة والموالد:
في كتابه
"عقيدة المسلم" وتحت عنوان
"توحيد العامة وما يعلوه من غبار" كتب يقول:
"والذين زاروا الضريح ليسوا مجهولين لديّ، فطالما أُوفدتُ رسمياً لوعظهم، فكنت أشهد من أعمالهم ما يستدعي الجلد بالسياط لا ما يستدعي الزجر بالكلام، وكثرتهم الساحقة لا تعرف عن فضائل الإسلام وأنظمته وآدابه شيئاً.
ولو دُعُوا لواجب ديني صحيح لَفَرّوا نافرين، وإن كانوا أسرع إلى الخرافة
من الفراش إلى النار!
وحسبك من معرفة حالهم: أنهم جاؤوا الضريح المذكور للوفاء بالنذور والابتهال بالدعاء!
ولمن النذور؟!ولمن الدعاء ؟! إنه أول الأمر للسيد؛ وأطال الحديث في سد باب الذرائع التي تفضي لهذه الانحرافات إنقاذا للعوام ولسمعة الإسلام.
بيد أن الغزالي -رحمه الله- واسع الرؤية نافذ البصيرة يرصد الحدث من زوايا متعددة ويربط حلقاته ببعض لتكون في إطار جامع للمشهد الانحرافي، فكتب في الصفحة ذاتها: "لقد اهتمت حكومة انجلترا -في سبيل مكافحة الشيوعية- بالحالة الدينية، في مصر !.
فكان مما طمأنها على إيمان المصريين ( ! ) أن ثلاثة ملايين مسلم زاروا ضريح أحمد البدوي بطنطا هذا العام"!!
وينتقل في تعميق الرؤية من الاستعمار الخارجي إلى الأوضاع الداخلية فيقول تحت عنوان المولد في كتابه "ليس من الإسلام" بعد أن استنكر الفضائع الأخلاقية والبدع والمنكرات والانحرافات في الموالد قال:
"وأحسب أن تنقيل الجماهير المغفلة من مزارٍ إلى مزار، وإخراجهم من حفل لإدخالهم في حفل، وجعل حياة الأمة سلسلة من هذه الملاهي الدينية الموصولة -أحسب أنَّ ذلك كان غايةً منشودة لبعض الحكام السابقين-، وأنَّ الموالد كانت وسيلة ناجحة لبلوغ هذا الهدف.
وهل يبقى لأمة ما وقت أو جهد للحق والعلا بعد ما استهلكت المساخر وقتها وجهدها"؟
وتحت عنوان "فولكلور المولد ورضا اللادينيين" في كتابي "الإبراهيمية المتصهينة" الذي صدر بعد أسابيع من مولد السيد البدوي العام الماضي 2025م وما حصل فيه من مناكر ومساخر غير مسبوقة كمًّا واحتفاءً، ذكرت هذه المفارقة:
"الأول، حضور بعض كبار المسؤولين الغربيين لهذه الموالد، كما كان بحضر السفير الأميركي مولد السيد البدوي في 2006م و 2007م في إشارة لإضفاء الشرعية على هذه الفعاليات وتمازجها مع هذا الإسلام المَرضيّ عنه عالميا. فالساسة إذا ظهروا في الفضاء العام فظهورهم لتوجيه الجماهير للمتع الشخصية، خاصة في المسائل التي تتصل بالأديان.
والثاني: في احتفاء بعض العلمانيين واللادينيين بهذه الفعاليات ورؤيتها بعين النضال ضد الإسلام الفاعل المجتمعي في مقابل ما يسمونه بـ"الإسلام الحركي" أو "الإسلام السلفي".
ومن ذلك رد أحمد سعد زايد -وهو لا ديني مصري- على السلفيين ودعمه مثل هذه الموالد باعتبارها النموذج الأكثر جاذبية للدين المفضل عند اللادينيين بدلا من الإسلام الذي يراه يفرض هيمنته على شؤون الحياة جميعا.
هذا كله -من تقارير أجنبية، وإشادة لا دينية، وتمثيل ديني رسمي- يدلنا على أن هذه الموالد إنما هي مطية لهذا النمط من الانسحاب الديني وأن تعامل الأنظمة معها يكون من هذا الباب، وليست فقط من باب الاختلاف بين المذاهب والتيارات."
طال الحديث والموضوع يحتاج مزيد بيان في موقف الغزالي من التصوف، وكذا موقفه من طريقة الإصلاح ونقده للعنف في التغيير الذي يراعي المصلحة ولا يشعل الفتن.
فيقرر في كتابه عقيدة المسلم "وأحب ألا أثير فتنة عمياء بهدم هذه الأضرحة .
فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم امتنع عن هدم الكعبة وإعادة بناتها على قواعد إبراهيم
لأن العرب كانوا حديتي عهد بشرك .
وجماهير العامة الآن ينبغي أن تساق سوقاً رفيقاً إلى حقائق الإسلام ، حتى تنصرف
- في هدوء - عن التوجه إلى هذه الأضرحة وشد الرحال إلى مابها من جثث .
وإخلاص المعلم وأسلوبه في الدعوة ، عليهما معول كبير في تمحيص العقيدة مما
عَلِق بها من شوائب وعلل"
والخلاصة المقصودة أنه علينا تقبل النصح والتصويب من الأحرار الذين ينشدون إصلاح حال الأمة حتى لو كان النقد يمس الاتجاه الذي ننتمي إليه والمشرب الذي تربينا عليه، إن كنا فعلا ممن ينشد الحق وينصاع إليه.
١٫٦ ألف
١١٦
١٦٨

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق